الاثنين، 20 نوفمبر 2017

آتيك..

آتيكَ..
لا.
لا أقدرُ على أن آتي بكلّي   إليك، أشعرُ بالوهنِ الشديدِ وأنتَ بعيد، شديدٌ للحدّ الذي تتراجفُ فيهِ أعظُمي، يجمدُ دمي، وأنسى كيفيّة النهوض.
والدربُ ياربّي طويلٌ رغمَ قُربكَ.. قريبٌ أنتَ منّي بالقدرِ ذاته من البُعد الذي أنا عليهِ مِنكَ، بعدتُ عنكَ بجُرمي.
لم أكن أشعر به، ارتكبتُ الذنبَ ثمّ رحلَ عنّي كأنّه لم يكُن؛ أظنّ أنّه لم يجِد مكاناً أكثر سوءاً من روحيَ فعادَ إليّ وأناخَ الرّحل في صدري.

خذلَنيَ من لحِقتُ به، وأضعتُكَ بسوءِ فِعالي.. لا أقدرُ على الاقترابِ أكثر، المسيرةُ بيننا توبةٌ وخطيئة، والتوبةُ ياربّ لا تطهّر روحاً تمرّغت بالسوء. أم أنّها تفعل؟
أخافُ أن آتي إليكَ لأنيَ أخافُ أن تهجُرَني كما فعلتُ، وأن لا أجِد من محاولتي الازدلاف إليكَ إلا مزيدًا مِن الضياعِ والجحود.

لا أدري يارب.. نمتُ على الإيمانِ واستيقظتُ والكلّ نيامٌ أشكّ بالعالمِ ونَفسي. شككتُ بأنّ جسديَ كان يوماً وعاءً للمشاعر، وبأن الحياةَ كانت "حياةً". والأعظمُ والأدهى ياربّ الرّحمة أنّي شككتُ بحبّي.  "هيهات.. أنتَ أكرمُ مِن أن تضيع من ربّيته"، لا تتركني أكمل الضياعَ دون أن ترشدني، دلّني إليك.. سلّني من رداء الترح هذا، أرجوك.

السبت، 30 سبتمبر 2017

أبجديّة الثكل

‏أيّها الرّباب..
‏هُزّي إليكِ بطرفِ المهدِ يسّاقطُ عليكِ ثكلٌ جَزِل. أواضحٌ تيبُّسُ المهد؟ أمألوفٌ لكِ؟ أما ذكّركِ بخدّ "نفسِكِ" المتصحِّر؟ استمعي صوتَ العطشِ للمرّة الأولى.. نعم؛ هذا هو صوتُ العطش، بكاءُ ابنكِ الـ لا يُسمَع، انقطاعُ صوته المُستمِر وصرخاته الموشكةُ على التلاشي، كلّ هذا هو صوتُ العطش، مُتجلٍّ بملائكيّة هذا الصغير.
‏-
‏ساعدَ الله روحكِ أيّتها المثكولة، رحِم الله ضمورَ أعضائكِ الذي نسيتيه -وما أظنّ أنّكِ ذكرتيهِ قطّ- في حضرةِ رضيعِك. أعيُنُكِ التي تعصُرينَ كي تَنزُفَ دمعاً يسقي ابنكِ، ولكنّها ما ذرفَت لكِ سوى نهر فقدٍ أزليّ دونَ ماءِ دمعٍ جافٍّ كلبنِ أمومتكِ. ساعدَ الله عنقكِ المجروح مِن صغيرك اليابسةُ بنانه، عنقكِ الذي تحوّل لخارطةٍ من الظّمأ، حُفر فيها مجرىً للنّهر بيدَيْه، وسالَ فيهِ دمعُه، عنُقكِ ذاته الذي تحشرجَت فيهِ الغصّاتٌ والأنّات وأصواتُ الأمومة. للهِ أمومتكِ يا رباب.
‏-
‏تعزَّيْ بوحشةِ المهد. ناغي الفراغَ الذي يُعانيه، "يالولَد نـام".. ليردَّ عليكِ صوتُ تهويداتك، استمعي لصداها واشعُري برحيلِ الولَد. رحَل/نامَ نوماً أبديّاً وأهداكِ معهُ سهادًا أزليّاً. عزّي أمومتكِ الفارغة، عزّيها بفقدِ سبَبِها وعلّة وجودِها. عيشي ظُلمةَ حياتكِ بعد مغيبِ شمسِها، قومي ثُلثَيْها بُكاءً ونُدبةً واقضي الثلثَ الأخيرَ بتذكّر كلّ تفصيلٍ من أشهرهِ المعدودة.
‏-
‏لا تخافي عليهِ يا أمّه، إنّه يتقلّب على أجنحةِ الملائكة في نومه، يرتوي من نهرِ الجنّة. لا عطشٌ ولا خوفٌ ولا حزن. إنّه لا يعرف هناك سوى الفرح والارتياح، لن يبكيَ أبداً. ستأخذ جدّته الزّهراء بيدِه لتُلاعبه. لا تخافي. كلمتهُ الأولى، خطوَته المُتبعةُ بسقوطٍ أوّل؛ طفولتهُ التي ستُفّوّتين.. ستكونُ فِردوسيّةً.

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

أيتمنا العبّاس


يتوارى الموتُ في صفوف المعزّين، يدّثّرُ بالتّرابِ كي لا يُرى، خجولٌ من عظيمِ ما أذنب؛ بأن أخذ الأمانَ من الحياة، وأن ألقى على خيامِ العِيالِ الظمَأ والجزع. مستحٍ هو، كيفَ سيقفُ بوجهِ النّهر ويعتذر، أو كيفَ سيُعيد استقامة عمَدِ الخيمةِ المنكسِر كظهر أخيه. للموت مسائلُ معلّقة مع الرّاية المتمرّغة باليُتم، متى ستُحلّ المسائل؟ علّها ستُحلّ حين تُرفع الرّاية مجدداً بأكفٍّ هاشميّة تحملُ بأسَ العبّاس.
-
رايَتُك التي ما نُكِسَت قط، تلك التي بقيَت تُداعب السّماءَ بشموخها، تسقُط.. تتوسّد رمال كربلاء. تسمعُ بكائيّاتها، ترى نزفاً من موضع إمساكِكَ بها، إنها تنزفُ عزّها، تنزفُ "العبّاس" من رايَتِه. تتحولُ عباءةً لمواساةِ زينب، كي تنوحا معاً في دربِ السّبي. أيا عبّاس.. أيتمتَ الراية.
-
حالما سَقَطْتَ من على المرتجِز، اختلّ توازنُ الكون، انهزَم لوهلةٍ بسقوطك. لقد كانَ العالمُ محمولاً بينَ كفّيْك، فكيف به والكفّان مقطوعتان؟ متزلزلٌ لا ثباتَ فيه؛ كخطواتِ الحُسين نحوك في اللحظات الأخيرة.. كارتعاشةِ يديه وهو يحملُ رأسك من على حرّ الرّمضاء لبارِدِ كنفِه. أيا عبّاس، أيتَمت أخوّة الحُسين.
-
نورُ عينيكَ في الخيمة، تنتظِر.. يُسطّر في بالِها أبلغُ ما سيُقال في عتابِ الأختِ لأخيها، ولكنّك رحلت وما تسنّت لها الفرصةُ لتُعاتِبك، ما وهبتَها سوى فرصةٍ أزليّةٍ لأن تنعاكَ.. جروحُك تنضحُ بـ"زينب" وكلّها ينضحُ بك. ما إن رحلتَ حتى استَقْبَلَتْها الدّنيا بسبيٍ وافتجاع، وكأنّه إخبارٌ لها أنّ هذه دُنياكِ دونه. أيا عبّاس.. أيتمتَ خِدرَ زينب.
-
بعدَ أن رحلتَ لربّك، بكتكَ القِربةُ بجدْبِها، وحِشَ جوفها للماءِ والشّعور بالسّقي/الارتواء، ما تعيشُ الآن سوى عطشٍ يشقّ طريقه في ملامِحها، كهِلت قِربتكَ بجفافها وألم البُعد عندك، تاقت نفسُها لأن تُدرِك ابتساماتِ العيال حال لقائهم بقطرةٍ من الماء. ما تطيقُ البقاء بعدكَ دون جودِك، فدتكَ بنفسها، أخذت سهماً عنك؛ ففاضت روحُ ريِّها للسّماء، وخرّت عطشى كحالِكم. أيا عبّاس.. أيتمتَ القِربة.
-
من عاداتكَ أن تأتي النّهر بين حينٍ وآخر، كارتياد والدِكَ أبوابَ اليتامى.. أن تأتيه بحنوّ الأب، أن تمسحَ على الماء كمسحِ الوالِد على وجهِ وِلدهجفّت مياه النّهر من الانتظار، وما أتيتَه؛ لم يكُن يدري بأن الـ"وتشربينَ باردَ المعين؟" كان سؤالاً يُنذر بالبعد، بالرّحيل للكوثَر. أيا عبّاس.. أيتمتَ النّهر.
-
الرّاية والقِربة والنّهر، الأخوّة والخِدر
أيتمتَ كلّ هذا يا عبّاس، أيتمتَ الكونَ أيّها العبدُ الصالح، فبعينيَ عينُكَ المُدماة، وبروحيَ كفّك السّاقي للعطاشى.. "أيتمنا العبّاس" يصرخُ الكونُ بوَجَل.

السبت، 23 سبتمبر 2017

توْقٌ وفقدٌ ونَوْح

سؤالٌ يا والدي، سؤالٌ وحيدٌ مُفرَد، تتحكّمُ إجابتُه بنبضِ فؤادي..
أينَ استقرّت بكُمِ النّوى..؟
كم أتمنى أنّكم ما زلتُم عند بابِ المدينة، أن يكونَ بكاء الرّضيع اللّا منقطع قد أخّر مسيرَكُم..
لقد تعلّق بردائي يا أبي، لولا أن منعه المهدُ لشقّ ثوبي من شدّة تمسّكه .. أما تستطيعُ أن تتركه -ولو سهواً- كي يُؤنِسَ علّتي؟ 
/
لا تزالُ نعومةُ بنانه مطبوعةً على عُنقي، محفورةً فيه..
إنّها مؤلمةٌ يا أبي، أشعرُ بروحيَ تنزفُ من موضعِ يده الصغيرة.. أخذت سُكينةَ وسَكينتي، والأكبر وعُمري، وعمّي وأماني، وأمّي ومأواي، أخَذتَ نفسَكَ منّي -يا نَفسي-، ألا ترضى أن تتركَ الرّضيعَ معي، أن تُبقِ لي مَن أشتمّ نحرهُ أنّى اشتقتُكم، مَن ألثمُ خدّه الطريّ متى لفاني التّوقُ لحنانكم..؟
أعتذرُ على سؤالي هذا، ما كُنت أدري أنّ للخدّ هذا قصةَ ضمورٍ ما خُطّت بعد، قصّةً تسلبهُ حياته.
/
تُهدّ السّماواتُ ليلاً بصوتِ بُكائيّاته البعيدة، المدينةُ سكونٌ يا والدي، ولكنّها في أُذني مُكتظةٌ ببكاء أخي، تنطوي الأرضُ كي توصلَ ليَ صوتَه، تُروّيني إيّاه أنفاساً قبل أن يُبحّ عطشاً ويتلاشى.. قبل أن يصيرَ عنقُه مهداً للسّهم..
/
أهوِّدُ زوايا الدّار أن نامي.. كلّنا واللهِ مُشتاقون..
والمهدُ يبكيهِ ليلاً، أأُصلّي صلاة الوحشةِ لمهدِه؟ أناغيهِ وهو لا يحملُ سوى طيفه.. أناغيهِ كي لا تتداعى الدّنيا بما فيها من شدّة ما نشعُر مِن لهفة..
/

 "ما مِن روحٍ في الدّار سِواكِ، قد رحلَ الأهلُ يا فاطمة، فوَلّي وجهكِ شَطر أرضِ بلائكُم، وانعي وحشَة دُنياكِ بعدهم."

الجمعة، 1 سبتمبر 2017

عنه


بعد حبسةٍ كتابيةٍ طويلة، وبعد أن يبُسَت المعاني في جَوفي وتشقّق رداءُ الرّوح من هَولِ ما ستَر، قرّرت نفسي أن تمنَحني الحياةَ مجدّداً، أن تُمسِكَ بيَدي وتَمضي بي نحوَ الجمالتنفّسَت الكلماتُ وعادت تبثّ فيّ الرّوح، وذلكَ عندما زارَني وحيُ الكتابةِ مجددًا؛ عندما قررتُ أن أكتُبَك أنت.

مُكتظّةٌ ذاكِرَتي بالكثيرِ منك، رُغم أنّني حديثةُ حبِّكَ إلّا أنّك سيِّدُ الذكرىٰ.. لا تكادُ ابتسامةٌ تخطرُ على بالي إلّا وأنتَ مُقترنٌ بها. اقتربتَ منّي، غمرتَني بكَ فجأةً دون أن أدري. وجودُكَ سدّ الفجوة في معنى الجمالِ لديّ؛ فوهَبتني (بأن أتيتَني/ عندما أتيتَ) الجمال.

لا حاجةَ لي بأن أراك.. فكما تعلم؛ سُرعان ما جسّدَتك الحياة في كلّ شيءٍ أراه -حرفيّاً-. أنتَ بين ناظِريّ على الدوام، أراكَ عندما أرى إنسانًا لطيفاً -أيّاً كان هو-، وعندما تُشرقُ الشّمس، وبين أبياتِ قصيدةٍ جميلة، وفي ابتسامتي، وفي لمعةِ عينيّ التي لا تُفارقني مُذ سكنتَ في نفسي، أراكَ فيّ.. 

لهذا فكلماتي مُنحصِرةٌ في سِياجِك؛ حيث قلبيَ وروحيَ ما نضحا بشيءٍ سواكَ.. ترتسمُ ملامحُ روحكَ أمامي، تلملمُ ما اندثرَ فيّ من حبٍ وحنان، تأتي بالابتسامات والضحكات، وكلّ التفاصيلِ الصغيرةِ التي عشتُها معك. أُصبحُ تحت حدّ السيف؛ فإمّا الكتابةُ عنكَ أو لا. أغرقُ في ملامحك.. إنّها تلهمني كيفيّة التغلّب على الترَح، تُعلّمني كيفيّة مُجابهة حزني. وفي أوجِ صراعاتي، أشعرُ بطيفكَ مُسنِدًا ظهري، مُعيناً إيّاي على تخطّي مساوِئ حياتي. ما عهدتُ حياتي معكَ إلّا جنّةً ما خطرَت على قلبِ بشَر، فكيفَ لي أن أصِفَها؟

أُريدُ يا قلمي أن أكتُب عنه..
عن يدهِ الممدودةِ دوماً كي تُساعِدني على الوقوفِ مجدداً..
عن طيفهِ الذي ما انفكّ يلازمني مُذ حطّ حُبُّه في قلبي..
عن قلبهِ الذي ضمّني وضمّدني بعد كلّ جرحٍ قاسيتُ آلامهُ وقاساهُ هوَ معي..
عن أحضانِه التي تُنسيني سبب انهمارِ الدّمع..
عن لُطفه الذي تفشّى وسادَ في حياتي..
عن قُدرته على انتشالي من جحيمي إلى جنّته/جنّتنا..
عن تحمّله إيّاي في جميع مراحل غضبي واستيائي..
عن كلّ ما أنبتَ بينَ أضلُعي من مشاعر..
عن ما أتاني من جمالٍ وحبٍّ وحياة..
أريدُ أن أكتبَ عنه، عن بعضٍ من كثيرِ حبّه.