الجمعة، 25 مايو 2018

لكَ اللهُمَّ..

الشُّكرُ لكَ إذْ أخذتَ نجوايَ المُهشّمة بيديكَ الحانِيَتيْن، حيثُ طهّرتَها، وأعدتَ خلقها بروح استجابةٍ مِن سماواتِك. الحمدُ للُطفكَ إذْ ألقيتَ على صدريَ العاري الكمِد ثِيابَ تعطُّفِكَ وتَحْنانِك؛ فأشعلتَ الدّفءَ فيه حتى أشدّ أصقاعهِ برودةً.

لكَ المجدُ إذْ مهّدتَ لي طريقًا مِن سنائك؛ حتىٰ أسعى فيهِ مِنكَ إليك. هذا الطريقُ الذي خلقتَه فأخفيتَه في قرارةِ نفسي كيْ يكون ملجئي أنّى تخبّط مسيري، ومُعيدَ استقامَتي متى ما تعثّر خطايَ. وما كانَ هذا الطريقُ أيّها الرّحيم مخلوقًا إلّا مِن نورِ أوليائك، فما جُبِرت كسورُ روحيَ إلّا بهِم، وما كُفكِفَت أدمُعي إلّا بفضلهم..

"اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآلِه صلاةً دائمةً ناميةً لا انقطاعَ لأبدِها ولا مُنتهىٰ لأمدِها، واجْعَل ذلكَ عوْنًا لي وسببًا لِنجاحِ طلِبَتي، إنَّكَ واسِعٌ كريم"

فلكَ الحمدُ حتى انقطاعِ النّفسِ إذْ عرّفتنا أولياءَك، وسمحتَ لنا بدُعائك بأسمائهم.. فاستجبتْ. لك الحمدُ إذْ خلقتَ هذا السببَ الموْصولَ بيننا وبينَك؛ حيثُ يلوذُ المرءُ وقد أعيا قلبَهُ ثقلُ الذّنبِ ثمّ ينقلبُ إلى أهلهِ مسروراً بقلبٍ مُطمئن.

أشكُركَ أيُّها الرّؤوف إذْ مدَدتَ ضَعفي بقوّةٍ مِنك، وجعلتَني بيْنَ عِبادِكَ ضليعَ الصّدرِ لا نُفوذَ لسطوَةِ الدّهرِ عليّ؛ وأحمِدُكَ وأُثْني عليكَ إذْ وهَبتَني ما تهِبُ مِن مأوىً للمُشرّدين؛ فشرَّعت لي بابَ البُكاء في حضرَتِك؛ وسمحتَ لي أن أشعُرَ بهشاشَةِ روحي وأنتَ تسمعُ تهشُّمَ أضلُعي فتجبرُها بنورِك، ثُم تعيدُني للحياةِ عزيزًا.

أيْ ربّ؛ أشعرُ بكَ في كلّ حين؛ فلكَ الشُّكر إذْ وهَبتني دوامَ استشعارِ وجودُك، ولكَ الحمدُ إذْ جلّيت حبّك وعطفكَ فيها.
إنّي أعلمُ أنّ يدكَ بالعطايا أعلى مِن كُل يد، ولكن؛ أنْ تَختزِل الجنّة في إنسانٍ؟ أن تُدثّرني -حالَ إيجادي في عالمِ الدّنيا- بأشدّ الأكنافِ دفئاً؟ أن تهِبَني أمّاً عظيمةً كهذِه؟
ياربِّ إنّ فضلَكَ آنسَني.. وإحسانَكَ دلَّني، فالحمدُ لك أبدًا سرمدًا.

السبت، 17 مارس 2018

إِلَيْها..💜🌻

السّابع من فبراير؛

يا قُرّة عيني؛ إليَّ إليّ..
تبسّمي، بثّي فيّ  الحياة، أنيري ما انطفأ من مناراتٍ في روحي.. كوني البدرَ شاقاً دياجيَ ليلي، اغدِقي جمالاً؛ يا ابنتي وروحيَ التي بينَ جنبيّ. غنّي، ترنّمي يا مُنايَ وطرَبي في حياةٍ محضَةِ البؤس. هِبينا -أنا وأباكِ- خلوداً بكِ يا حُلوتي.
-
ثغركِ يا جميلَتي، آيُكِ الفردوسيُّ المنزّلُ فيه -على هيئة بسمة- ؛ كالرّيحِ يهبّ عليّ مُخمِداً جحيمَ خوْفي. أتيتِني من اللهِ أماناً، ولأبيكِ حناناً، وللعالمِ لطفاً.. وهُو الحقّ الذي أنزَل فيكِ كلّ هذا، فسُبحانه..
مُذ أنعمَ الله عليّ بأن أرى جمالهُ متجلٍّ فيكِ وأنا في حيرةٍ من أمري. ما السرّ المكنونُ خلفَ خدّكِ الأسيل؟ أوارِثٌ لإستبرقِ الجنّة؟

أمّا دمعك، ذلكَ السَلسبيلُ الذي شقّ مجاريهِ على صدري.. أابنُ الكوثرِ هو؟ كيفَ له أن يكونَ غيرَ أُجاجٍ .. أن يكونَ عذْباً مُسَكِّناً لأوجاعي ومَسْكَناً لسُهادي؟

وعينيكِ يا صغيرَتي، أرىٰ فيهِما قصائدَ والدكِ وجمالَها.. يا حوراءَه، بلواحظكِ تبلجُ لغةُ أبيكِ ومشاعره.
-إيهٍ يا بريقَ عينيها، حدّثني عن ذاك النّور المُتأصّل بابنتي، بالابنة الملائكيّة لإنسيّةٍ جافّةٍ كإيّاي. حدّثني كيْ أهيمَ بالنّور الفردوسيّ وأسمو -بها-.-

وشعركِ ليسَ سوى قطعةٍ من الليلِ الأليلِ التي ما انفكّت تُداعبُ عنقي. وخبّأت في سوادِها كلّ ترحي وهمّي.
أما صورَتكِ، فما هيَ إّلا انعكاسٌ مُعسجدٌ لصورةِ الشّمسِ.
-
اليومُ الذي خطوتِ بهِ خطاكِ الأولىٰ، مشيتِ على جُروحي.. عافَيتِني من ندوبي. استندتِ عليّ واستقامَت الحياةُ فيني، شددتِ القبضةَ بيَدِكِ الصغيرة على طرفِ اصبَعي،، وبهذهِ القبضةِ يا مَلاكي لخّصتِ لي إجابةَ السّؤال الأبديّ "لِم أنا على قيدِ الحياة؟" لكِ، لكِ أنتِ وكَيْ أحبّك فقط.

عندما تتسارعُ خطواتكِ نحوَ والدكِ، وحالما ترمينَ نفسكِ في كنفهِ مُختبئةً من الحياة.. في ذلكَ الحينِ أرىٰ التحامَ كونَيَّ معاً، أشمُّ رائحةَ الحبّ والنّعيم، انتماءُ روحيَ لكما ينضحُ من عينيّ. أنظرُ سعادَتي وحُزني وكلّ حياتي بضمِّه لكِ إلىٰ صدره، يتراقصُ عمري أمامي بتناغمِ ضحكتَيْكِما معاً.

لا أزالُ أذكرُ الخفقةَ الأولى لقلبي عِندما سمعتُ "ماما" منكِ. ياه.. كم تباهيْتُ بحبّكِ لي أمامَ أبيكِ! وبأنّكِ نطَقِتني قبل أن تنطُقيه، بيومٍ واحد.
-
علّكِ لا تذكرين، ولكنّنا -أنا وأبوكِ- نذكرُ جيّداً، نذكرُ تلكَ الليالي الطِوال التي زادت طولاً ببُكائيّاتكِ غير المعروفةِ السّبب. والدكِ يذكرُ المراتِ الكثيرةَ التي بكيتُ فيها معكِ بسبب شعوريَ بأنّي لا أصلحُ لأن أكون أمًّا لملاكٍ كإيّاكِ. نذكرُ الليالي التي كُنتِ فيها كجسرٍ ممدودٍ بيننا، والصباحاتِ التي بدأت بنورِ الله مُنبثقاً من ضحكتكِ.
-
يا ابنتنا وقصيدَتِه وكلّ نَثري،
كلّ عامٍ وأنتِ لحياتِنا النورُ والزّهر🦋🌸..

-أمّكِ.
في السّابع مِن فبراير
يومُ ميلادكِ -عيدُ حياتي- السّادس.

السبت، 30 سبتمبر 2017

أبجديّة الثكل

‏أيّها الرّباب..
‏هُزّي إليكِ بطرفِ المهدِ يسّاقطُ عليكِ ثكلٌ جَزِل. أواضحٌ تيبُّسُ المهد؟ أمألوفٌ لكِ؟ أما ذكّركِ بخدّ "نفسِكِ" المتصحِّر؟ استمعي صوتَ العطشِ للمرّة الأولى.. نعم؛ هذا هو صوتُ العطش، بكاءُ ابنكِ الـ لا يُسمَع، انقطاعُ صوته المُستمِر وصرخاته الموشكةُ على التلاشي، كلّ هذا هو صوتُ العطش، مُتجلٍّ بملائكيّة هذا الصغير.
‏-
‏ساعدَ الله روحكِ أيّتها المثكولة، رحِم الله ضمورَ أعضائكِ الذي نسيتيه -وما أظنّ أنّكِ ذكرتيهِ قطّ- في حضرةِ رضيعِك. أعيُنُكِ التي تعصُرينَ كي تَنزُفَ دمعاً يسقي ابنكِ، ولكنّها ما ذرفَت لكِ سوى نهر فقدٍ أزليّ دونَ ماءِ دمعٍ جافٍّ كلبنِ أمومتكِ. ساعدَ الله عنقكِ المجروح مِن صغيرك اليابسةُ بنانه، عنقكِ الذي تحوّل لخارطةٍ من الظّمأ، حُفر فيها مجرىً للنّهر بيدَيْه، وسالَ فيهِ دمعُه، عنُقكِ ذاته الذي تحشرجَت فيهِ الغصّاتٌ والأنّات وأصواتُ الأمومة. للهِ أمومتكِ يا رباب.
‏-
‏تعزَّيْ بوحشةِ المهد. ناغي الفراغَ الذي يُعانيه، "يالولَد نـام".. ليردَّ عليكِ صوتُ تهويداتك، استمعي لصداها واشعُري برحيلِ الولَد. رحَل/نامَ نوماً أبديّاً وأهداكِ معهُ سهادًا أزليّاً. عزّي أمومتكِ الفارغة، عزّيها بفقدِ سبَبِها وعلّة وجودِها. عيشي ظُلمةَ حياتكِ بعد مغيبِ شمسِها، قومي ثُلثَيْها بُكاءً ونُدبةً واقضي الثلثَ الأخيرَ بتذكّر كلّ تفصيلٍ من أشهرهِ المعدودة.
‏-
‏لا تخافي عليهِ يا أمّه، إنّه يتقلّب على أجنحةِ الملائكة في نومه، يرتوي من نهرِ الجنّة. لا عطشٌ ولا خوفٌ ولا حزن. إنّه لا يعرف هناك سوى الفرح والارتياح، لن يبكيَ أبداً. ستأخذ جدّته الزّهراء بيدِه لتُلاعبه. لا تخافي. كلمتهُ الأولى، خطوَته المُتبعةُ بسقوطٍ أوّل؛ طفولتهُ التي ستُفّوّتين.. ستكونُ فِردوسيّةً.

الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

أيتمنا العبّاس


يتوارى الموتُ في صفوف المعزّين، يدّثّرُ بالتّرابِ كي لا يُرى، خجولٌ من عظيمِ ما أذنب؛ بأن أخذ الأمانَ من الحياة، وأن ألقى على خيامِ العِيالِ الظمَأ والجزع. مستحٍ هو، كيفَ سيقفُ بوجهِ النّهر ويعتذر، أو كيفَ سيُعيد استقامة عمَدِ الخيمةِ المنكسِر كظهر أخيه. للموت مسائلُ معلّقة مع الرّاية المتمرّغة باليُتم، متى ستُحلّ المسائل؟ علّها ستُحلّ حين تُرفع الرّاية مجدداً بأكفٍّ هاشميّة تحملُ بأسَ العبّاس.
-
رايَتُك التي ما نُكِسَت قط، تلك التي بقيَت تُداعب السّماءَ بشموخها، تسقُط.. تتوسّد رمال كربلاء. تسمعُ بكائيّاتها، ترى نزفاً من موضع إمساكِكَ بها، إنها تنزفُ عزّها، تنزفُ "العبّاس" من رايَتِه. تتحولُ عباءةً لمواساةِ زينب، كي تنوحا معاً في دربِ السّبي. أيا عبّاس.. أيتمتَ الراية.
-
حالما سَقَطْتَ من على المرتجِز، اختلّ توازنُ الكون، انهزَم لوهلةٍ بسقوطك. لقد كانَ العالمُ محمولاً بينَ كفّيْك، فكيف به والكفّان مقطوعتان؟ متزلزلٌ لا ثباتَ فيه؛ كخطواتِ الحُسين نحوك في اللحظات الأخيرة.. كارتعاشةِ يديه وهو يحملُ رأسك من على حرّ الرّمضاء لبارِدِ كنفِه. أيا عبّاس، أيتَمت أخوّة الحُسين.
-
نورُ عينيكَ في الخيمة، تنتظِر.. يُسطّر في بالِها أبلغُ ما سيُقال في عتابِ الأختِ لأخيها، ولكنّك رحلت وما تسنّت لها الفرصةُ لتُعاتِبك، ما وهبتَها سوى فرصةٍ أزليّةٍ لأن تنعاكَ.. جروحُك تنضحُ بـ"زينب" وكلّها ينضحُ بك. ما إن رحلتَ حتى استَقْبَلَتْها الدّنيا بسبيٍ وافتجاع، وكأنّه إخبارٌ لها أنّ هذه دُنياكِ دونه. أيا عبّاس.. أيتمتَ خِدرَ زينب.
-
بعدَ أن رحلتَ لربّك، بكتكَ القِربةُ بجدْبِها، وحِشَ جوفها للماءِ والشّعور بالسّقي/الارتواء، ما تعيشُ الآن سوى عطشٍ يشقّ طريقه في ملامِحها، كهِلت قِربتكَ بجفافها وألم البُعد عندك، تاقت نفسُها لأن تُدرِك ابتساماتِ العيال حال لقائهم بقطرةٍ من الماء. ما تطيقُ البقاء بعدكَ دون جودِك، فدتكَ بنفسها، أخذت سهماً عنك؛ ففاضت روحُ ريِّها للسّماء، وخرّت عطشى كحالِكم. أيا عبّاس.. أيتمتَ القِربة.
-
من عاداتكَ أن تأتي النّهر بين حينٍ وآخر، كارتياد والدِكَ أبوابَ اليتامى.. أن تأتيه بحنوّ الأب، أن تمسحَ على الماء كمسحِ الوالِد على وجهِ وِلدهجفّت مياه النّهر من الانتظار، وما أتيتَه؛ لم يكُن يدري بأن الـ"وتشربينَ باردَ المعين؟" كان سؤالاً يُنذر بالبعد، بالرّحيل للكوثَر. أيا عبّاس.. أيتمتَ النّهر.
-
الرّاية والقِربة والنّهر، الأخوّة والخِدر
أيتمتَ كلّ هذا يا عبّاس، أيتمتَ الكونَ أيّها العبدُ الصالح، فبعينيَ عينُكَ المُدماة، وبروحيَ كفّك السّاقي للعطاشى.. "أيتمنا العبّاس" يصرخُ الكونُ بوَجَل.